وأنا صغيرة وإلى أبعد ذكرى لى، كانت أمى تقرأ لنا كل ليلة قصة من أدب الأطفال السويدى (وهى لغتها)، إنتاج متنوع وغزير من حيث جاذبيته ومحتواه إلى أن تعلمت فك شفرة الحروف وبدأت أن أقرأ بمفردى. فى ابتدائى كانت قراءاتى أساسا لكاتبة سويدية عالمية لم تحظَ باهتمام كافٍ فى مصر وهى «استريد ليندجرين» Astrid Lindgren (كتبها مترجمة إلى كل لغات العالم منها العربية)، «استريد» كتبت فى الخمسينيات من القرن الماضى عن فتاة اسمها بيبى ذات الشراب الطويل Pippi longstrump. «بيبى» كانت بنت صغيرة بشعر أحمر مربوط فى ضفيرتين تلبس شرابا طويلا وملابس مرقعة، مبتسمة دائمة ولديها نمش على وجهها، بيبى «قوية جدا» تعيش بمفردها فى فيلا مهجورة فى قرية فى السويد مع حصانها وقردها، بنت شقية، قوية العضلات والشخصية، طيبة، مستقلة، دمها خفيف جدا، وبالرغم من أنها مختلفة تماما عن المجتمع فى ذلك الوقت إلا أن الكل يحبها. «استريد» قدمت لنا سلاسل من القصص التى تحكى عن أطفال وأسر سويدية فى ظروف مختلفة كلها تشجع الأطفال على التعبير والفضول والمغامرة وقبول الاختلاف وتفهمه، ليسوا بالضرورة هادئين وملتزمين كما كان معتادا تصويرهم فى ذلك الزمن، وهو ما جعل نجاحها مدويا وباعت أكثر من ١٦٨ مليون نسخة من كتبها بلغات مختلفة حول العالم. السويد أعطت العالم العديد من كتَّاب الأطفال الآخرين الذين كسروا بالقصة والرسومات النمط المعتاد لأدب الطفل، بعيدا عن الخطاب الواعظ وفيها تصوير حقيقى لأفكار ومشاعر الأطفال.
فى عام ١٩٠١ طلبت وزارة التربية والتعليم السويدية من الروائية الشهيرة سيلما لاجيرلوف «Selma Lagerlöf» صياغة كتاب الدراسات الاجتماعية للمرحلة الابتدائية، الكاتبة أمضت عامين تدرس محافظات السويد بجغرافيا وتاريخها وثقافتها وطبيعتها وحيواناتها المختلفة، فاخترعت شخصية الطفل «نيلس» الذى يركب على ظهر أوز برى يطير به فى مغامرة يزور فيها كل محافظات السويد فيلتقى بأهلها وطبيعتها وحيواناتها وتاريخها، هذا الكتاب هو الذى درست منه أمى فى طفولتها فى قريتها فى جنوب السويد وهو الذى قرأته أنا عندما أرادت هى أن أتعلم أكثر عن بلدها. فى كل ما سبق من أدب كان للصورة دور مهم جدا، وكان الفنان الذى يرسم الشخصيات شريك أساسى فى نجاح انتشارها وارتباط الأطفال من القراء بها.
مع دخول منى وندى المدرسة اكتشفت أن اللغة الإنجليزية تدرس عن طريق القراءة، وأن حصة النحو الإنجليزية (Grammar) وكتبها غير موجودة أصلا، فالطفل فى المرحلة الابتدائية لديه عشرة مستويات للقصص القصيرة، كلها ذات رسومات فنية جميلة من تأليف ورسم أدباء أطفال وفنانين، كل يوم يقرأ الطفل كتابا صغيرا ما بين المدرسة وإذا أتقن فهمها وشرحها ينتقل إلى المرحلة التالية دون أن ينتظر زملاءه فكانت دراسة اللغة سلسلة من الحكى والمتعة. واستمر هذا الأسلوب فى إعدادى وثانوى بعد أن انتهوا من استكمال كل مراحل القراءة العشر ودخلوا فى الأدب الإنجليزى المعاصر كجزء من منهج اللغة.
لأن القراءة توسع مدارك الأطفال وتفتح أعينهم على ثقافات وحضارات مختلفة، وتزيد لديهم محصلة الكلمات وتساعدهم على أن يكونوا متعددى اللغات بسلاسة فهى تضبط النحو والقدرة على التعبير بالكتابة أو بالقول بشكل تلقائى ومنضبط لغويا بدون إنفاق وقت وجهد كبير فى دراسة قواعد اللغة، كما أنها تحفز على التفكير والبحث والمعرفة ولهذا تخيلت لو أن وزارة التربية والتعليم كان لديها شجاعة وجرأة لتغير من طريقة تدريس اللغة العربية التقليدية ولتتبنى أسلوبا مختلفا تماما مبنيا على القراءة وليس على حفظ القواعد النحوية والإملائية، فلو أن أدواتنا فى تعليمها تم تحديثها حتى تصبح جاذبة للطالب فقد ينجذب إلى لغة بلده، وإذا تنازلنا عن كتب يكتبها «خبير تعليم» وليس «أديب ولا فنان» قد نستطيع أن ننقذ الجيل القادم مما أوصلتنا إليه مناهجنا الحالية من تَدَنٍّ فى مستوى استخدام اللغة فى الجيل الحالى ليس فى المدارس الدولية أو مدارس اللغات فقط وإنما أيضا فى مدارس الدولة، وبدلا من انتقاد الطالب ولومه نجتهد فنواجه أسباب هذا العزوف ونحول مادة «اللغة العربية» إلى مادة شيقة وجذابة فنستعين بفنانينا وكتابنا الموهوبين فى مناهج المرحلة الابتدائية وبأدبنا المصرى الحديث الغزير فى مناهج الإعدادى والثانوى، علنا نستعيد هويتنا المصرية ولغتنا الجميلة.










