مزنة بلّان لصالح منصّة “أكتر” يستهويني العمل منذ مجيئي إلى ألمانيا مع المنظمات الدولية والجمعيات المدنية التي تُعنى بمساعدة اللاجئين الهاربين من ظروف الحرب أو السياسة في بلادهم. يقودني فضلاً عن رغبتي في المساعدة، أملي في تحسين لغتي بأشغالٍ بسيطة في البداية تتناسب مع مستواي اللغوي المتصاعد شيئاً فشيئاً. وذلك من خلال الاحتكاك مع زملاء عمل ألمان، كما عن طريق الترجمة لبعضٍ من العوائل العربية البسيطة التي تجهل الألمانية ولم تستطع الاندماج إلى الآن.
لم آتِ إلى هنا كلاجئة وليس بمقدوري سبر ما يدور في قرارة أنفسهم لأنني لم أعشه. إلا أنني أعرف جيداً إحساس الألم المرافق لضياع الأوطان. وأحاول بأدواتي البسيطة إيصال بعضٍ من صورتهم وأصواتهم لما تيسر من قرّاء مهما بلغ عددهم.
في البداية أول قدومي:
سنحت لي فرصة بسيطة لتطوّعٍ محدودٍ في مركزٍ يجمع التبرعات ممن يرغب في تقديمها، على هيئة ملابس أو مستلزمات المطابخ وغرف النوم والمعيشة وما شابه... يساعدون بها عوائل من المهاجرين القاطنين في المنطقة.
عملٌ رغم بساطته إلا أنه كان بمثابة الاحتكاك الأول لي مع هذه الشرائح. بعيداً عن الصورة المُسبقة التي رُسمت لهم في ذهني عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لا شك أنني صُدمت بالعديد ممن لم أجد لديهم حدّاً أدنى من محاولة التغيير للأفضل. وبالمقابل شاهدت شباباً يافعاً يملك المطلوب من الاختلاف لإمكانية الاندماج الصحيح في مجتمعهم الجديد.
وبعد انقضاء سنتي الأولى:
أعمل الآن لدى الصليب الأحمر الألماني الذي يقدم خدمات المأوى وما يترتب عليها من احتياجات، وتحديداً للاجئين الأوكران الفارّين من الحرب الأخيرة في بلادهم. ولفترة محدودة تتناسب مدتها مع مدة البقاء ضمن مقرّاتهم.
أعدادٌ لا زالت تتزايد يوماً عن يوم لتتراوح وسطياً بين ٥٠٠ ل ٨٠٠ شخص حسب الإحصاءات.
عائلاتٌ بشيبها وشبابها وصغارها يجهل في غالبيتهم الإنجليزية وجميعهم الألمانية مما يُصعّب التواصل للغاية، ليقتصر على لغة الإشارة.
أتأمل وجوههم بدقة، والتي يغلب على بعضها الحزن وعلى بعضها الآخر النقمة والامتعاض.
ومع كل سحنة شرقية أصادفها أحاول نطق مفردةٍ عربيّةٍ ما لعلّي أجد بين هذه الحشود عربيّاً يفهمها وأسهل عليه مهمة التواصل الشاقة هذه. لأعثر خلال عملية التمحيص هذه لحد الآن على شابٍّ فلسطينيّ وآخر أردنيّ يتردد دوماً مع زوجته الأوكرانية.
أبدأ الحديث دوماً بجملة: " بشو فيني ساعدك
"فيندهش الفلسطيني فَرِحاً "حضرتك عربية!"
نتبادل فرحة المصادفة ودهشتها فضلاً عن تفاصيل أخرى يكشفها لنا استمرار الحديث ..
أنا فلسطينيٌّ أو بالأحرى من البلد التي كُتِب على مواطنيها النزوح الدائم من الأجداد إلى الأحفاد، وكلما شعر أحدنا باستقرارٍ ما نعاود النزوح من جديد.
يتابع: كنت متزوج من أوكرانية فرّت نحو بلدٍ آخر ومعها ابني، وأحاول الآن لم شملي معهم.
يتخلّل هذا الحديث مروراً عابراً لقوافل من الغجر الموجودين بكثرة في أوكرانيا والذين رافقوهم بطبيعة الحال في رحلة النزوح هذه. ليقول مازحاً: أكثر بشاعةً من مشهد نزوح عرب ال ٤٨ أيام النكبة..
أما نظيره الأردني قليل الكلام لم يستطع فضولي الصحفي استجرار المزيد منه، إلا أن الصورة العامة تُفصح عن طبيبٍ ذو وجهٍ بائس، متزوّجٌ كذلك من أوكرانية تبدو في منتصف حملها، رقيقةٌ تتكلّم بضع كلماتٍ عربيةٍ متكسّرة. يحاولان الخروج بأسرع وقتٍ ممكن من هذا "الكامب" حالما يستكملون أوراقهم وثبوتياتهم.
كما استوقفني شخصٌ أوكرانيٌّ يملك دوناً عن غيره من المفردات الألمانية ما يستطيع عبرها إيصال بعضٍ من طلباته. رجلٌ ستينيٌّ غزا الشيب شعره، بطلّةٍ وقورة وبسمةٍ لا تفارق محيّاه، سألته ذات مرّة عن مهنته؟ أجابني قائلاً: (مهندس كهربا) رافقها غصّة على نهاية لم تكن بالحسبان، لكنّه القدر الذي لا نعلم ما يخبئه لنا في جعبته.
وامرأةٌ أربعينيةٌ تجلس وحيدةً دوناً عن الآخرين، تظلّ على الدوام مشغولةً بهاتفها، تطمئنّ غالباً على ما تركته وراءها. شاهدتها اليوم تمسح دموعها، وقفت أمامها عاجزةً عن التواصل، فيما عبرّت زميلتي الألمانية عن تأثرها وعجزها في آن قائلة: شاقٌّ على الإنسان أن يطأَ أرضٌ جديدة، وختمت كلامها بتنهيدة طويلة: لماذا لا يملك العالم بأسره لغة واحدة تختصر على البشر هذه المشقّة.
لعلّه طوق نجاة..
يجلسون كل يومٍ أمامنا يتشاركون وجع البلاد وأعباء الهجرة ومشكلاتها. بلغةٍ نجهلها لكننا نعلم حتماً ما تحمله من قهر.
لكننا إذا نظرنا إليها من المقلب الآخر، عوائل عديدة وجدت دولاً مجاورة لها تحتضنها بأبنية على أقل تقدير، وليس بخيام كأسلافهم من السوريين أو الفلسطينيين مثلاً، الذين لم يجدوا من دول الجوار غير الخيام. وفي دولةٍ كألمانيا تملك للأمانة من إنصافٍ في القوانين ما لا تحويه نظيراتها من الدول.
فلتكن فرصةً للتغيير المنشود والذي رغم كل ما تفرضه البدايات القسرية من صعوباتٍ وتحدّياتٍ، لكنها بالتأكيد ستقود مع الإصرار إلى نتائج مُرضِية.
تنويه: المواد المنشورة في هذا القسم ننشرها هيئة تحرير منصة أكتر الإخبارية كما وردت إليها، دون تدخل منها - سوى بعض التصليحات اللغوية الضرورية- وهي لا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة أو سياستها التحريرية، ومسؤولية ما ورد فيها تعود على كاتبها.