إذا ما كان لدى الإنسان حلم، قد تأتي الظروف مناسبة لتحقيق حلمه وعليه عندها اقتناصها. لكنّ لتحقيق الأحلام ضريبة هي الجهد والمثابرة، ومن يتمكن من فهم هذه الحقيقة فهو الشخص الذي سيصبح مصدر إلهام لنا بنجاحاته. ينطبق هذا الوصف على قصّة أحمد عرفات، فلنستمع إليها.
أحمد عرفات من أصل فلسطيني-سوري، درس الهندسة المدنية في دمشق وفي عمّان، وجاء إلى السويد في 2015 ويسكن في يوتوبوري.
كان أحمد يفكّر بمتابعة دراسته منذ وصوله إلى السويد، ولكن واجه عند قدومه مشكلة الحصول على إقامة مؤقتة لمدّة 13 شهر بدلاً من إقامة دائمة، الأمر الذي جعله يفكر مرتين قبل الاستمرار بالدراسة، حيث كان جميع من حوله تقريباً ينصحونه بالبحث عن عمل كي يتمكن من الحصول على إقامة دائمة.
لكنّ حلم أحمد كان له وزن أثقل من المخاوف، ولهذا بدأ بدراسة اللغة الإنكليزية بشكل أكاديمي كي يتقدّم للتسجيل في برنامج الماجستير. لم يكن أحمد الحالم مخطئاً، فقد تمكّن من تحقيق الدراسة والعمل، ومنذ 8 أشهر حصل على الإقامة الدائمة، ومنذ شهرين تقريباً حصل على الجنسية السويدية. لكن بين طيات هذه النجاحات، عاش أحمد قصّة يجب أن تروى.

المهارة تعويضاً عن نقص اللغة
أنهى أحمد ماجستيره الأول في شهر 8 من عام 2019، وبدأ بالبحث عن عمل. كان رفاقه في الماجستير من السويديين الأصليين قد وجدوا بمعظمهم عملاً أثناء الدراسة وقبل الانتهاء من الماجستير، ولكن كان عليه بسبب عددٍ من العوامل، أبرزها ضعف لغته السويدية الخاصة بمجاله، أن يبحث لمدّة شهرين قبل إيجاد عمل في شركة PlusEight.
وفقاً لأحمد، فمن الصعب جداً على الإنسان الذي لا يتقن اللغة السويدية الخاصة بالبناء أن يعمل في شركات البناء السويدية، وعلى من يفكر بذلك أن يكون لديه مهارة خاصة تجعل الشركات تخفض معاييرها من أجل اللغة في سبيل الحصول على خدمات هذا الشخص.
سألنا أحمد: ما هي مهاراتك المميزة التي جعلتهم يتغاضون عن نقص معرفتك باللغة؟ فأجاب: موضوع رسالتي الماجستير بشكل أساسي: "نظرية العناصر المحدودة"، والكورسات التي جمعتها من جامعات مختلفة غير الماجستير وأهمها ميكانيكا الموائع. لكن أيضاً كنتُ محظوظاً بأنّ صاحب العمل السويدي الذي وظفني كان شخصاً متعاوناً وأفادني بالكثير من الأشياء من بينها متطلبات الإقامة، ومن بينها الصبر عليّ لتعلّم المصطلحات العمليّة السويدية. بل أنّي اضطررتُ لتعلّم بعض من اللغة الدنماركية أيضاً.

الأزمة كفرصة
عندما شارف أحمد على الانتهاء من الماجستير الأول، وقبل أن يجد عملاً، سجّل لدراسة ماجستير ثانٍ لأنّه لم يكن يريد البقاء دون شيء يفعله. بعد أن وجد عملاً بدأ يخشى من عدم قدرته على إتمام دراسته. لكنّ أحمد تمكّن من الاستفادة من سوء حظّ الكوكب ليحوله لصالحه.
بدأت في تلك المرحلة قيود كورونا، وبدأ أحمد بالعمل من المنزل، ما دفعه للتجرؤ على العمل بنسبة 100٪، وكذلك الدراسة بالماجستير 100٪. يتحدث أحمد بأنّ ذلك لم يكن سهلاً، وكان عليه أن يبقى متيقظاً وأن يضغط نفسه لأقصى حد، وكذلك أن يبتعد عن أسرته التي كونها حديثاً، ولكن لم تكن لتتسنى له فرصة أخرى مناسبة أكثر.
أنهى أحمد الماجستير الثاني، ولم يكتفِ به، فأخذ الكثير من الدورات والكورسات الدراسية المعروضة أونلاين من جامعات مختلفة. عندما سألناه: كيف كنت تطبق ما تعلمته في الواقع، فأخبرنا بأنّه كان يأخذ مواد مسبقة الصنع. كان صاحب العمل الأول معارضاً في البداية لكونه "محافظ" في العمل، ولكن بعد ذلك بدأ يطلب من أحمد إجراء التجارب.

الانتقال إلى مستوى ثانٍ
تحدثنا مع أحمد عن فكرة العمل في الجامعة كباحث. أجاب بأنّ الفكرة جذابة، ولكن إذا ما قارنا المساوئ والمحاسن، فعملي أفضل لي من الجامعة. فمن جهة الكسب المالي في عملي أكبر ممّا كنت سأحصل عليه في الجامعة. أمّا فيما يخصّ إجراء الأبحاث، فعملي الحالي (الثاني) يوفر لي فرصة إجراء الأبحاث دون الحاجة لأكون في الجامعة ضمن قسم البحث والتطوير R&D.












