كي تحقق حلمك، عليك أن تحلم بشيء أكبر منه، وتتمسّك بما لديك بانتظار الوصول. ربّما هذه القاعدة التي تحكم مصائرنا بأكملها، وهي القاعدة نفسها التي انطبقت على مطوّر الوصفات الغذائية بوب البوبلي، القادر اليوم على تثبيت ما وصل إليه، ثمّ التطلع إلى الأفضل رغم العنصرية ورغم الشعور بالحرمان الاجتماعي التي تعتبر نمطيّة للمهاجرين الذين يعيشون في السويد...
جاء بوب البوبلي إلى السويد في 2015، وكان قبل ذلك قد تنقل بين سورية وفلسطين وماليزيا. درس بوب هندسة التصنيع الغذائي أثناء وجوده في فلسطين، وفي ماليزيا بدأ دراسة الماجستير، لكنّه لم لظروف شخصية لم يتمكن من إتمام الماجستير، وغادر ماليزيا بعد 3 أعوام قادماً إلى السويد. حصل على الجنسية العام الماضي بعد انتظار الطلب لعام ونصف.
عندما كان بوب في فلسطين، عمل مع منظمات مثل "اليونيسيف" و"أنقذوا الأطفال" في مجال تدريب الناس والتوعية. بعد وصوله إلى السويد عدّل شهاداته، ولكنّه شعر بأنّ التمييز ضدّ شهادته الأجنبية كمهندس تصنيع غذائي كبير، وبأنّ التقدير الذي يحصل عليه هنا أقلّ منه في دول أخرى.
من هنا انطلق بوب وحصل على تدريب مهني (أوتبيلدنغ) في مجال الأغذية وتطويرها، ومن هنا حصل على عدّة أعمال في السويد في مجالات الأغذية، وآخرها عمله الحالي شيف ومطوّر وجبات غذائية في شركة سوديكسو Sodexo متعددة الجنسيات.
ما هي مهمة مهندس التصنيع الغذائي؟
طلبنا إلى بوب أن يشرح لنا عن طبيعة عمل مهندس التصنيع الغذائي، فقال: "مهمة مهندس التصنيع الغذائي أن يتابع المنتج من مرحلة الصفر إلى شكله النهائي. ويمكن أن يحمل اسم مشرف تصنيع غذائي أو مهندس جودة، وهو موجود في جميع مجالات الأغذية وإعدادها وتعليبها وتغليفها...الخ".
لكنّ بوب أراد اختصاصاً يمكن من خلاله أن يكون أكثر إبداعاً، فطوّر بوب نفسه ليتخصص أكثر في مجال الحميات الغذائية.
بالنسبة لبوب تحضير الطعام أكثر من مجرّد مهنة، فهو خلال عمله الحالي يقوم بتحضير الطعام وتطوير الوصفات من أجل تحقيق أهداف المناخ التي التزمت بها الشركة التي يعمل لصالحها.
يشرح بوب: "عبر عملنا نسعى للوصول لهدف تقليل الانبعاثات قدر الإمكان. أحد الطرق لذلك هو ابتكار وصفات نباتية جديدة يرغب بها الجائعون كي يتم تقليص استخدام اللحوم. طريقة أخرى هي عدم السماح برمي كميات غير مستخدمة من مكونات الطعام، وإعادة استخدامها في وصفات أخرى أيضاً، مثل استخدام مكونات الدجاج المشوي التي تبقى، في وجبات السندويش البارد في اليوم التالي".
لا شيء سهل
بوب، منذ ما قبل وصوله إلى السويد، وبعد ذلك، يسير بشكل ثابت ومتدرّج نحو تحقيق هدفه. هل كان ذلك سهلاً على بوب؟
يقول بوب بأنّ الأشياء ليست سهلة ولا تواتيك الظروف دوماً للقيام بما تريد. يعطينا مثالاً العام الأول الذي قضاه في السويد بانتظار منحه الإقامة، والذي كان على حدّ تعبيره: "ضائعاً من حياتي لم أتمكن من القيام بأيّ شيء ممّا أريد. ومهما حاولت الاستفادة من الوقت بتعلم اللغة واكتساب خبرات، فسيبقى ما حصلته أدنى من تطلعاتك".
كان على بوب أن يركز بعد ذلك في تطوير الجانب المهني من عمله، وهو ما عمل عليه منذ ذلك الحين. اليوم، وبنوع من العزيمة الموجهة بشكل صحيح، يقول بوب بأنّ وقت التعلّم النظري قد حان من جديد إذا ما أردت أن أتطور أكثر.
حصل بوب منذ فترة قصيرة جداً على دبلوم عالي في الحميات الغذائية وإدارة الوزن والسمنة. وهو يحضّر للماجستير في مجال الوجبات الغذائية.
عنصرية من تحت الطاولة!
مثل أيّ مهاجر، علينا أن نسأل بوب: هل عانيت من العنصرية؟ أجاب بوب: "تشعر أنّ هناك عنصرية، ولكنّها مخفية تحت الطاولة".
يضيف بوب شارحاً بأنّ اسمه الحقيقي كان اسماً عربياً قحّاً، وبأنّه كان يحب اسمه ولا مشكلة له معه. لكن عندما كان يرسل سيرته الذاتية للحصول على عمل، اعتاد على عدم تلقيه لرد، أو الردّ بأنّهم عينوا شخصاً آخر. لهذا قرر إجراء اختبار ربّما ليس هو أول من يجريه.
كان اسم بوب هو الاسم الذي يناديه به أصدقائه ورفاق عمله وزوجته منذ كان في فلسطين، ولهذا قرر أن يستخدم اسم بوب في السيرة الذاتية لمكان كان قد رفض سيرته الذاتية باسمه الأصلي.
وبالفعل، لم تتأخر الشركة التي تقدّم إليها بالردّ عليه وتحديد موعد لقاء معه. عندما ذهب بوب إلى اللقاء قال له المدير: "أشعر وكأنّي قرأت هذه السيرة الذاتية من قبل... هل تقدمت إلينا من قبل؟"، فأجابه بوب بما جرى، وما كان من المدير إلا أن قال له وكأنّ الأمر بمنتهى الطبيعية: "آه صحيح لقد تذكرت".
العنصريّة والاستغلال
يقول بوب: العنصرية في السويد موجودة من تحت الطاولة، وهي موجودة بشكل كبير. ثمّ يضيف: "المشكلة أنّ العنصرية تترافق غالباً مع استغلال، وهو الأمر الذي يقويه خوف المهاجرين من المطالبة بحقوقهم".
حكى لنا بوب قصّة حصلت معه: "في إحدى الشركات التي عملت لصالحها، لم يقبل المدير أن يصرف لي تعويض السيمستر. لأنني أتحدث الإنكليزية بشكل ممتاز بدأت بالبحث في القوانين، ورفعت شكوى ضده لوحدي أمام المحكمة دون الحاجة لمساعدة أحد. ثمّ بعد 8 أشهر اتصل بي محامي الشركة واتفق معي على تسوية يدفعون لي من خلالها المبلغ لإنهاء القضية".
بضيف بوب: "كان بعض زملائي المهاجرين يخافون أن يفعلوا الأمر ذاته، ويقولون: الله بيعوض. لكنني اعتبر أنّ هذا السلوك هو الذي يدفع العنصريين والاستغلاليين للتقليل من قدرنا. فالمدير الذي كان عليه أن يواجه المحكمة، لن يقوم بعد ذلك على الإطلاق بمحاولة استغفال مهاجر، وهو الهدف الرئيسي من تحركي القانوني، فالمبلغ الذي رفضوا دفعه لي ليس بالكبير، ولكن التأثير المعنوي لحصولي على حقي كبير".
بالنسبة لبوب، على جميع المهاجرين التخلص من ذاكرة الأنظمة السلطوية التي كنّا نعيش في كنفها، وأن نطالب بحقوقنا وألا نسمح للاستغلاليين ببناء أنظمة سلطوية أخرى تستضعفنا.
ماذا بعد؟
يشعر بوب بأنّ لديه طاقات متفجرة عليه توجيهها لتحقيق أحلامه، ولهذا يريد أن يصبح مطوّر وصفات غذائية أو مبدع وصفات غذائية. عندما طلبنا منه أن يشرح لنا معنى الأمر، أجاب: "هناك وجه أوسع من العمل شيف في مسألة تطوير الأغذية، فشركات الأغذية عندما تريد صناعة منتج ما أو إطلاق منتج جديد، تعتمد في ذلك على وصفات الأغذية التي يطورها مختص".
تابع بوب شارحاً: "كمثال: العصير الذي نشربه هو في أساسه وصفة ابتكرها مختص تطوير أغذية قام بحساب نسب المكونات من ملونات ومواد حافظة ومواد إضافية، ومدى مطابقتها للقانون. لهذا فمطور الأغذية هو الشخص الذي يقصدونه في الشركات والمصانع التي تريد إطلاق منتج جديد. وعلى الصعيد الشخصي سأشعر بالإنجاز عندما أتمكن من إنشاء وصفاتي الخاصة".
بالنسبة للحياة، يرى بوب بأنّ الحياة في السويد جيدة، ولكن ينقصها الروح التي اعتاد عليها المهاجرون في بلدانهم. يقول بوب: "افتقد للتحدث بلغتنا الأم مع الناس، وافتقد الحياة الاجتماعية التي كانت لدينا في بلادنا والتي أعتبرها شديدة الأهمية لرفاهنا".
يحاول بوب التعويض عن هذا النقص في القيام كلّ عدّة أشهر بزيارة إلى أصدقائه وأهله واللقاء بهم في مكان غير السويد، بحيث لا ينقطع عن مجتمعه.
ينضمّ بوب إلى مجموعة الناجحين الذين تقابلنا معهم في أكتر، الذين لا يمكننا أن نختزل كامل أوجه تجربتهم في سطورنا. ولكن يبقى نجاحهم يلهمنا، وقدرتهم على السير في خطا ثابتة نحو هدفهم أمراً مفرحاً لنا.