آملاً القيام بواجبه تجاه الكوكب وتوفير بعض المال وتجنب إضاعة وقته بالانتظار في المطارات، قرر بن ماك بارتلاند Ben McPartland السفر مسافة 2000 كيلومتر مع عائلته عبر أوروبا مستقلّين القطار. إليك مجريات رحلته و إن كان يوصي بها أم لا.
شهد صيف 2022 عودة المسافرين عبر أوروبا بشكل جماعي سواء لقضاء العطلات أو لرؤية العائلة أو لكليهما. لكنه شهد أيضاً فوضى عارمة في المطارات وإضرابات لشركات الطيران والمزيد من الأسئلة التي تم طرحها أكثر من أي وقت مضى حول إذا ما كان ينبغي علينا السفر بالطائرة في وقت تستعد فيه أوروبا لاستقبال موجات حرّ متتالية ناجمة عن أزمة المناخ. ما هي البدائل القابلة للتطبيق إذاً لقطع مسافة 2000 كيلومتر عبر أوروبا في فترة زمنية قصيرة بصحبة أطفال صغار؟
المأزق
كنا بحاجة إلى الانتقال من باريس إلى البرتغال، أو لكي أكون أكثر دقة، إلى الحافة الغربية للغارف في جنوب البرتغال بغرض قضاء عطلة عائلية تمتد لأسبوع، إلا أننا واجهنا معضلة تمثلت في كيفية بلوغنا وجهتنا بسرعة إذ لم يكن لدينا الكثير من الوقت لإضاعته في الذهاب والإياب.
تتألف عائلتنا من أربعة أفراد، طفلان يبلغان من العمر 5 و 7 سنوات، والدةٌ هادئة إلى حد ما، وأنا (الوالد) الذي يصيبه التوتر كلما اقترب من المطار.
قضت عادتنا السفر بالطائرة، وهو الأمر الذي اخترناه عندما قصدنا وجهتنا ذاتها في البرتغال في أكتوبر/ أيلول الماضي، إلا أن احتمال سفرنا بالطائرة تقلص نظراً للفوضى في المطارات والتأخيرات والإلغاءات والإضرابات وطوابير الانتظار التي لا تنتهي في جميع أنحاء أوروبا منذ بداية الصيف، ناهيك عن أزمة المناخ والشعور المتزايد بأننا، كأسرة، بحاجة إلى بذل جهد كبير في هذا الصدد. وبهذا فإن فكرة الطيران، وبعد تصنيف خبراء الأرصاد لشهر يوليو/ تموز بأنه الأكثر حرّاً على الإطلاق في أوروبا، إضافةً إلى جفاف الأنهار وحرائق الغابات، لم تبدُ الخيار الأفضل، بالنسبة لي على الأقل، في حين توفر البدائل.
كان لدينا خيار قيادة السيارة من فرنسا إلى البرتغال، الأمر الذي يقوم به العديد من الفرنسيين والبرتغاليين الذين يعيشون في فرنسا كل صيف. لكن القيادة لمسافة 2000 كيلومتر إلى هناك والعودة لقضاء عطلة أسبوع فقط مع طفلين مربوطين في المقعد الخلفي لساعات متتالية، سيكون سبباً للانهيارات العصبية. وبذلك لم يبق لدينا سوى خيار السفر بالقطار، ولكن هل سيكون هذا الخيار فعّالاً؟
التخطيط للرحلة
تمكنّا، بمساعدة بعض خبراء السكك الحديدية الأوروبيين المطّلعين أمثال جون وورث Jon Worth، ومعلوماتٍ حصلنا عليها من موقع The Man in Seat Sixty-One، من الاطلاع على طرق السكك الحديدية المختلفة المارّة عبر فرنسا وإسبانيا إلى جنوب البرتغال، وقد كانت إحدى المشكلات هي أن الخط الممتد من جنوب إسبانيا إلى الغارف لم يعد موضوعاً في الخدمة، الأمر الذي يعني استئجار سيارة الى هناك فور وصولنا إشبيلية.
بدا لنا القطار الليلي وكأنه الخيار الأفضل، فهو رخيص إلى حد ما مع وجود مقصورة كاملة مخصصة للعائلة، والذي يصل بنا إلى جبال البرانس (لاتور دي كارول) التي يمكننا بعدها استقلال قطار محلي إلى برشلونة قبل السفر إلى البرتغال. إلا أننا قررنا في نهاية المطاف استقلال القطار المباشر الممتد من باريس إلى برشلونة، حيث يمكننا قضاء ليلة في المدينة الكاتالونية قبل أن نركب القطار في اليوم التالي إلى إشبيلية ونستقل سيارة من هناك.
الأمر الذي يعني ذهابنا من باريس إلى البرتغال في غضون يومين، أو بالتحديد 7 ساعات للوصول إلى برشلونة ثم قضاء ليلة واحدة في فندق قبل رحلة بالقطار مدتها خمس ساعات ونصف إلى إشبيلية، ورحلة بالسيارة مدتها ثلاث ساعات. كانت هذه أسرع طريقة بدون طيران حسب تقديرنا.
كنا على وشك حجز التذاكر عندما ذكر صديق لي كان يسافر بالقطار عبر أوروبا تذاكر الـ Interrail التي قمت باستخدامها عندما كنت في الـ 18 من عمري وكانت طريقة رائعة لقضاء شهر في السفر في جميع أنحاء أوروبا (والمغرب)، ولكنني لم أفكر بها أبداً كخيارٍ لرحلة سريعة إلى البرتغال والعودة منها.
إلا أن هذه التذاكر طرأت عليها بعض التغييرات منذ عام 1996، بل منذ عام 1972 عندما تم إطلاقها لأول مرة لمن هم تحت سن الـ21، حيث أصبحت تُقدم الآن تصاريح يمكن استخدامها لمدة 4 أو 5 أو 7 أيام في الشهر، والتي تشكل الخيار المثالي للسفر إلى عدد قليل من الوجهات في فترة زمنية قصيرة. وقد كانت النقطة الفاصلة هو إعطاء تصاريح Interrail مجانية لمن هم أقل من 11 عاماً في حال مرافقتهم شخصاً بالغاً. حسناً... قد لا تكون هذه التصاريح مجانية بالكامل، إذ إنه في بعض البلدان مثل فرنسا وإسبانيا، ما تزال بحاجة إلى الدفع مقابل حجز المقاعد لأي شخص يسافر. لكن بالمقارنة، فإن تكلفة تصاريح السفر لشخصين بالغين إضافةً إلى حجز المقاعد، تعتبر أرخص من حجز قطارات مباشرةٍ، وأرخص بكثير من السفر بالطائرة.
الإيجابيات
لنبدأ بعدم الاضطرار إلى الاستيقاظ في الرابعة صباحاً والوصول إلى المطار قبل ثلاث ساعات من المغادرة لمجرد تسجيل الحقائب ثم قضاء الساعات الثلاث التالية في الانتظار في طوابير مختلفة للحقائب وجواز السفر والأمن والركوب وما إلى ذلك، فقد وصلنا إلى Gare de Lyon قبل حوالي 30 دقيقة من مغادرة القطار وركبنا دون انتظار وغادر القطار في الوقت المحدد.
قارن هذا بالحاجة إلى استقلال سيارة أجرة أو قطار RER والتوجه إلى مطار شارل ديغول لتجد نفسك بعد ثلاث ساعات في باريس منتظراً في طابور للصعود إلى الطائرة. (أعلم أن هذا ليس الحال دائماً، إلا أن نصيحة هذا الصيف هي تجنب الوصول قبل ثلاث ساعات من الرحلة لتسجيل الحقائب)، فضلاً عن عدم وجود حدود للأمتعة في القطار وعدم الحاجة إلى إفراغ حقائبك في أمن المطار لأنك نسيت عبوة مزيل تعرق قديمة أسفل حقيبتك. وعلى الرغم من أن محطات السكك الحديدية في إسبانيا تحوي أجهزة أشعة سينية على غرار المطارات لفحص جميع الأمتعة، إلا أنها كانت سريعة للغاية ولم ينتج عنها أي طوابير طويلة.
أضف إلى هذا كله، وجود مقاعد مريحة مع مساحة للقدمين، وبارٍ يمكنك المشي إليه وقضاء ساعات في مشاهدة المناظر الطبيعية الفرنسية والإسبانية الجميلة، ووصولك لاحقاً إلى وسط المدينة، أي إلى برشلونة بالنسبة لوضعنا، وعدم الحاجة لاستخدام وسائل النقل العام أو سيارات الأجرة من وإلى مطارات المدينة. لقد كان قضاء ليلة في برشلونة، وإن كانت باهظة الثمن بعض الشيء، طريقة رائعة لكسر روتين الرحلة.
لقد سار كل شيء وفق الوقت المحدد له تقريباً، حيث كان إجمالي التأخير 15 دقيقة لأكثر من خمس رحلات بالقطار خلال أربعة أيام، فضلاً عن روعة القطارات عالية السرعة في إسبانيا.
للاختصار: عندما تسافر بالطائرة، تبدأ عطلتك فقط عندما تصل إلى وجهتك النهائية لأن اليوم الذي تقضيه في السفر يسبب إرهاقاً كبيراً، ولكن مع القطار، تبدأ العطلة بمجرد مغادرتك المحطة، الأمرٍ الذي يبعث على راحة كبيرة.
السلبيات
لا بد أنكم تتساءلون عن وضع الأطفال خلال الرحلة؟










