بقلم الأستاذ: محمد أبو ناهية/باحث وصحفي
حفّزني مقال الدكتورعثمان طوالبة الذي نشره قبل أيام بعنوان: (الأورانجيون - خيار من يعتقد أن لا خيار له !) على القراءة أكثر عن الأورانجيين، ومتابعة أشد لتصريحات مسؤوليه وقياداته، لما وجدت في هذا المقال من تساؤلات وشائعات حول حزب نيانس، التي تتناقلها العديد من الناس في الفترة الأخير. وقد توصلت في بحثي هذا إلى عدد من الإجابات عن هذه التساؤلات، التي سأنقلها كمتابع للشأن السياسي السويدي، ومهتم بشؤون مواطني السويد من أصول مهاجرة، وليس كوني عضواً في الحزب أو ناطقاً باسمه.
حالة من التخلي يعيشها مواطنو السويد من أصول مهاجرة ومسلمة من قبل الأحزاب السياسية:
بدايةً، يجب أن لاننكر أنّ هناك حالة من التخلي يعيشها مواطنو السويد من أصول مهاجرة ومسلمة من قبل الأحزاب السياسية بكتلتيها الحمر والزرق، فالأحزاب اليمينية (الزرق) جعلت منهم العنوان الانتخابي والشماعة التي تُعلق عليها أغلب أزمات المجتمع حيث وصلت العلاقة معهم إلى مرحلة القطيعة والعداء، وفي المقابل تعاملت معهم أحزاب اليسار (الحمر) حليفهم التاريخي بنوع من التجاهل تارة والكبر تارة أخرى، التي جسدتها عدد من القرارات والقوانين التي اعتُبرت عنصرية تجاههم، ولا تحترم خصوصياتهم على حد وصفهم، أبرزها:
1- حرق القرآن الكريم: صحيح أنّ هذا العمل كان مستفزاً بالنسبة للمواطنين من أصول مهاجرة وخاصة المسلمة، ولكن كان الأمر الأكثر استفزازاً، هو الإصرار في منح التصاريح لممارسة هذا العمل، وعدم تفهم وجهة نظرهم، أو حتى الاستجابة للدعوات التي طالبت بمنعه، مما أدى إلى أعمال عنف غير مبررة وغير حضارية، زادت الموقف تعقيداً بينهم وبين الحمر.
2- قضية سحب الأطفال: اعتبرت شريحة من المهاجرين أن أحزاب اليسار(الحمر) لم يتعاملوا بحكمة مع هذه القضية، إذ كان عليهم أن يتحاوروا مع العائلات، وأن يأخذوا مطالبهم بعين الاعتبار، وأن يفتحوا تحقيقاً في الحالات التي طُرحت، بدل اتهامهم بالتعامل مع الخارج، وتشويه صورة السويد، وغيرها من التهم التي رفضها قادة هذا الحراك.
3- قانون الشرف: أثار قانون الشرف وغيره من القوانين التي اعتبرها المهاجرون بأنها لا تراع خلفياتهم الثقافية التي كفل الدستور الحفاظ عليها في ظل التنوع والتعدد الثقافي في البلاد، حالة من الخوف على وجودهم وانحلالهم في المجتمع بدل الاندماج الذي يكفل الحفاظ على هويتهم في المجتمع- على حد وصفهم. حالة التخلي هذه جعلت هذه الشريحة من المجتمع تشكو من التمييز والعنصرية والكراهية ضدها، حيث بات واضحاً وجلياً في المجتمع، ويزداد كلما اقترب موعد الانتخابات.
الأورنج رد طبيعي على تجاهل الحمر ومعاداة الزرق:
إذاً أصبح هناك مشكلة مجتمعية، وحالة من الفراغ لم يستطع أن يقدم لها حلولاً السياسي السويدي بشقيه الأزرق المعادي أو الأحمر المتجاهل. ومن الطبيعي في أي مجتمع يعاني من مشكلة مجتمعية، ستجد من يتقدم ليتصدى لهذه المشكلة. فاضطهاد العمال أدى لظهور الاشتراكية، وتحكم الطبقات الاجتماعية أدى إلى ظهور الشيوعية، والليبرالية سببه تسلط الكنيسة. ولا يقتصر هذا على الأحزاب الأيديولوجية، بل هناك أحزاباً مطلبية تختص بقضية ما على الرغم من امتلاكها لبرنامج سياسي شامل مثل حزب البيئة ، الذي ينظر من منظور البيئة، أو حزب الفيمنستة (النسوية) الذي يناصر قضايا المرأة. ونيانس (الأورانج) الذي ظهر ليتصدى لمشكلة مجتمعية هي وجود تمييز وعنصرية وكراهية تعاني منها شريحة من شرائح المجتمع، إذاً نيانس جاء من رحم مشكلة حقيقية، ولم يخلقها هو بذاته.

هل حزب نيانس إسلامي شعبوي، وهل الأورانجيون إسلاميون متطرفون؟
سهل جداً أن تلقي الاتهامات يمنة ويسرة، وأي اتهام يجب أن يكون له دليل منطقي وواقعي ليكون حقيقي. وقبل هذا يجب أن نُعرّف الحزب الإسلامي؟ فالأحزاب الإسلامية هي الأحزاب التي تؤمن في دستورها بالمرجعية الإسلامية كحل للقضايا التي تومن بها وتطالب بنصرتها، وترى بأن الحاكمية لله ويجب فرض الشريعة الإسلامية في المجتمع، ساعية إلى أسلمة المجتمع بكل قطاعاته. وهذه اتهامات خطيرة وتهدد أمن المجتمع وتماسكه، وغير قابلة للتحقيق في بلد يعيش فيه المسلمون كأقلية. ولو سلمنا جدلاً بأن هذه الاتهامات صحيحة، فكيف أعطته الدولة الترخيص، ووافقت عليه كحزب شمولي راديكالي؟ وكيف سمحت له المشاركة في الانتخابات ومنافسة الأحزاب بهذه الأيديولوجية المستوردة؟! ولكن عند الاطلاع على دستور حزب نيانس وبرنامجه السياسي، نرى أنّ الحزب هو حزب سويدي، أسس وفق المعايير القانونية والديمقراطية السويدية، ولديه مجلس إدارة ورقم ضريبي، وغيرها من الرسميات القانونية. ووجدنا كذلك أنّ الحزب ليس لديه أيديولوجيا تحكمه، فهو ليس حزياً يمينياً أو يسارياً أو دينياً بل هو حزب مطلبي يدافع عن قضية مجتمعية هي الدفاع عن الأقليات كل الأقليات سواء كانت دينية أو عرقية أو قومية كاليهود والرومر والمسلمين وأي أقلية تتعرض للتمييز والعنصرية. وما تركيزه على الأقلية المسلمة في هذه المرحلة إلا بسبب ما تعانية هذه الأقلية من تمييز وعنصرية وكراهية تتزايد كلما اتجهت الأحزاب نحو اليمين، ولو أنّ أقلية أخرى تعرضت للتمييز سيكون الحزب من السباقين للدفاع عنها - على حد زعمه. ويؤكد الحزب في أدبياته بأنه طرحه لحل القضايا التي يدافع عنها غير مستورد، وإنما مستمدة من القانون السويدي والقيم الديمقراطية والعلمانية والدستور السويدي التي يؤمن بها ويلتزم بها على حد تصريحات مسؤوليه. وبهذا لانجد دليلاً منطقياً وواقعياً على كون الحزب حزباً دينياً فضلاً على أن يكون حزباً إسلامياً.

وصحيح أنّ أغلب أعضاء الحزب وقياداته من المسلمين، الذين لهم الحق في ممارسة العمل السياسي مثلهم مثل أي مواطن سويدي، فهذا لا يبرر إطلاق كلمة إسلاميين عليهم لأنهم لا يؤمنون بحل مشاكل المجتمع من منظور الشريعة الإسلامية، ولو أطلقنا عليهم هذا المصطلح لوجب إطلاقه على كل مسلم يمارس السياسة ممن ينتمون إلى الأحزاب الأخرى!
أما الخطاب الشعبوي الذي يٌتهم به الحزب، فمن خلال متابعتي لخطاب الحزب في قضية "السوسيال" وحرق القرآن؛ فقد وجدت خطاباً معتدلاً، بل ويحسب عليه أنه استطاع احتواء غضب المحتجين وتوجيهها بالطرق الديمقراطية والقانونية. فلو راقبنا خطاب المتظاهرين في قضية " السوسيال" قبل دعم نيانس لهذا الحراك لوجدنا خطابهم شعبوي حيث كانوا يقولون" السوسيال يخطف الأطفال المسلمين" أما بعد دخول نيانس استطاع أن يغير خطابهم إلى " إساءة بعض موظفي السوسيال لقانون LVU" وكذلك دفعهم للخطاب باللغة السويدية ووجههم للحديث إلى وسائل الإعلام السويدية بدل العربية. واستطاع كذلك أن يحتوي غضب المستائين من حرق القرآن من خلال دعوته لتجاهل دعوات حرق القرآن والتعبير عن رفضهم بطريقة سلمية قانونية حضارية ودعا إلى العديد من المظاهرات السلمية في عدد من المدن، فضلاً عن تكريمه للشرطة التي تعرضت للعنف.













