روان: من محبطة دراسياً إلى خريجة مع 7 عروض عمل كبيرة
23 أغسطس 2022
7 دقيقة قراءة
روان: من محبطة دراسياً إلى خريجة مع 7 عروض عمل كبيرة
مشاركة
عندما يضطرّ الإنسان لتحمّل الضغوط وهو يسعى إلى أحلامه، ثمّ يصل إليها، تصبح قصته ملهمة. وعندما يترك السويد بحثاً عن الأفضل ثمّ يعود إليها للاستمرار في هذا البحث، ويجد ما يريد، تصبح قصته مشوقة. من هنا فإنّ قصّة روان بيرقدار الموجودة في السويد منذ 9 أعوام، والتي بدأت محبطة ثمّ تخرجت من جامعة لوند ووقّعت منذ فترة قريبة عقد عمل بدأت فيه حقبة "هي الأجمل" في حياتها، تستحق أن نرويها.
جاءت روان إلى السويد مع عائلتها منذ 9 أعوام في 2013، وكان سنّها حينئذ 17 عام. تحمل روان الجنسية السويدية وتسكن في مدينة كارلسهام في بليكنغه. كان على روان أن تتخلّى عن عامين من دراستها بعد أن أتمّت مرحلة اللغة وأن تعيد المرحلة المتوسطة منذ صفّ التاسع، الأمر الذي أحبطها في البداية وجعلها تعيش حالات كانت تريد فيها التوقّف عن الدراسة. لكنّ إصرارها دفعها للاستمرار والتخرّج من الثانوية بجدارة، والالتحاق بعدها بكليّة الهندسة (Tekniska högskolan) في جامعة لوند والتخرّج منها قبل شهرين. بل الأكثر من ذلك توقيعها عقد عمل مع شركة «Sweco». كيف بدأت رحلة روان قبل الوصول لما تريد؟
لم تسمح روان لإعادتها 3 سنوات بإحباطها وأطلقت حياتها بزخم من يريد المستقبل
رحلة روان
بدأت روان بالدراسة والعمل في توزيع الصحف، ولكنّها شعرت بأنّه يضغط إمكاناتها ولا يطوّر لها اندماجها ولغتها، ولا يعزز حضورها في سوق العمل.
ثمّ تمكنت بمساعدة من شقيقها الذي يسكن في يوتوبوري من إيجاد عمل صيفي «مساعدة شخصية». وكما تقول روان: هذه النقطة التي تغيّرت فيها حياتي، حيث تعلمت اللغة أكثر وبدأت أعتاد على الوضع واكتشفت مدى نشاط المدن الكبيرة.
عندما دخلت الثانوية وأرادت الاختصاص، حاول المشرف أن يثنيها عن اختصاص «العلوم الطبيعية» لأنّه يحتاج إلى إتقان أفضل للغة السويدية، وحذرها من أنّها لن تحصل على الدرجات التي تؤهلها الدخول إلى الجامعة. لكنّ روان لم تستمتع للتحذير، وقبلت التحدي.
تقول روان أنّ أكثر ما جعلها تشعر بالضغط أثناء الدراسة هو اللغة الغريبة التي كان عليها أن تدرس بها. ولكنّه ضغط طبيعي وليس "مستحيل" التخطي.
عندما عادت روان من يوتوبوري كانت قد بدأت تكوّن فكرة عن المكان الذي تريد العيش فيه
حياة اجتماعية ضعيفة
عانت روان أكثر ما عانت خلال معظم سنينها في السويد من الحياة الاجتماعية غير النشطة، وكان ذلك مردّه بشكل أساسي إلى أنّها تسكن في مدينة صغيرة لا توفّر فرص الاختلاط الاجتماعي والأنشطة المتعددة التي توفرها المدن الكبيرة. حتّى عندما تأملت روان بأن تسنح لها الفرصة لتطوير حياتها الاجتماعية عند التسجيل في الجامعة، صادف حظّها انتشار كورونا واضطرارها لقضاء معظم سنين دراستها الثلاث في المنزل تداوم عن بعد.
لكن لم ترضخ روان لنقص النشاط الاجتماعي، وعملت في عملين أحدهما في ماكدونالدز. وصلت ساعات عمل روان إلى 160 ساعة ناهيك عن دوامها في الجامعة. كانت روان قادرة على إدارة كلّ هذا الانشغال بالاقتطاع من أشياء أخرى مثل ساعات نومها، فكما تقول: "كنت أعدّ ساعات نومي، فأقسمها بين الاستراحات ووقت النوم كي أتمكن من أداء المسؤوليات التي علي".
مع عملين ودراسة كان على روان أن تملك طاقة هائلة لتحقق ما حققته
الهروب من السويد
شعرت روان فجأة بضغط العزلة في السويد والحياة الاجتماعية الضعيفة، ولهذا شعرت بأنّ الوجهة التي عليها أن تسلكها يجب أن توصلها إلى خارج السويد. فحملها طموحها بحياة أفضل إلى تركيا.
ذهبت روان إلى تركيا وبقيت فيها عام. ورغم أنّها وجدت عملاً في المجال الهندسي، فقد شعرت "بنعمة" العيش في السويد مقارنة بتركيا. حاولنا أن نفهم من روان سبب عدم ارتياحها في تركيا فطلبنا منها أن تُجمل الأسباب في أربعة أسباب، فأجابت:
الرواتب الضعيفة وعقود العمل غير المحمية.
العنصرية المفرطة. وكما تقول روان: في السويد كان بإمكاني الرد على العنصرية إن تعرضت لها من موقع قوة، أمّا في تركيا فكنتُ دائماً الشخص المستضعف غير القادرة على الرد.
الرعاية الصحية في السويد أفضل بكثير منها في تركيا،
النظام العام، ففي السويد مثلاً لن تجد عمالة أطفال، كما لن تشعر بأنّك ذاهب إلى "جهنم" عندما تقود السيارة، فالنظام مستقر ومحترم أكثر في السويد. وكما تقول روان: "لن تشعر بقيمة مسألة الطرقات والنظام إلّا عندما توضع في موقف تكاد فيه تموت في حادث سيارة".
تقول روان بأنّ من يشعر بأنّه يتعرض للعنصرية في السويد عليه تجريب الحياة في تركيا
العودة إلى السويد
كان على روان أن تعود إلى السويد وتبحث عن حلّ آخر، وكما قالت: "شعرت بأنّ عليّ أن أخرج من كارلسهام وأجد مكاناً أكثر نشاطاً من الناحية الاجتماعية... ولهذا عدت وبدأت البحث عن عمل".
بدأ أصدقاء روان "يحبطونها" بأنّها لن تجد عمل وسيكون عليها أن تتحضّر لخيبة الأمل، وعليها أن تغيّر اسمها لاسم أجنبي إن كانت تريد فرصة حقيقية وكلّ ما يقال عادة. لكنّ روان تؤكّد أنّ تجربتها الشخصية أثبتت لها أنّ هذا الكلام السلبي كلّه "محض خيال كاذب".
عندما سألنا روان عن "وصفتها السحرية" وكيف وجدت عملاً بسرعة، أخبرتنا بأنّ كلّ ما كان عليها فعله هو العمل بشكل جدي على سيرتها الذاتية "CV" لتبدأ بتلقي عروض العمل التي وصلت إلى 7 عروض عمل خلال شهرين من تقديمها.
وجدت روان ضالتها في السويد عندما بدأت التجهيز للانتقال إلى ستوكهولم، فبحسب روان: "عندما تعيش في مدينة صغيرة مثل كارلسهام فستشعر بأنّك وحيد ومعزول ودون حياة اجتماعية، أمّا في مكان مثل ستوكهولم يعجّ بالناس وفرص الاختلاط والنشاط، تفهم عندها بأنّ الخطأ في مكان السكن وليس في البقاء في السويد.
كان على روان أن تجد توازنها في مكان أكثر نشاطاً من كارلسهام
العنصرية
تقول روان بأنّها لم تتعرّض لمواقف عنصريّة منهجيّة من السويديين، وبأنّ معظم الشعب السويدي لطيف ومسالم، وبأنّ الحالات الفردية التي تعرضها فيها للمشاكل مع بعض السويديين كانت مع أشخاص "سيئين" لديهم مشاكل مع أنفسهم بغضّ النظر عمّا إن كانوا عنصريين أو لا. تقول روان بأنّ سبب معاملة هؤلاء السيئة لها كان شعورهم بالغيرة والضعف وليس العنصرية التي نسمع عنها.
سألنا روان: "سحنتك ولونك لا يدلّان بالضرورة على أنّك عربية، هل يمكن أن يكون هذا قد لعب دوراً في عدم تعرضك للعنصرية؟". أجابت روان: "ربّما في بعض الأحيان، ولكن عموماً يمكن للعرب ألّا يميزوا أنّي عربية، ولكن السويديون كانوا يعرفون على الدوام بأنّي لستُ سويدية ولستُ أوروبية... الحقيقة شخصيتي القوية وعدم سكوتي عن حقي هو الذي حماني من العنصرية وليس لوني".
ثمّ روت لنا مثالاً قصّة عن حالة عنصرية تعرضت لها في المدرسة، حيث قامت إحدى التلميذات لتصلّح لها لفظها غير الدقيق لكلمة سويدية بشكل فظّ وبطريقة فجّة تنمّ عن نظرة فوقية. لكنّ روان بشخصيتها القوية لم تسكت، وأجابتها: أنا أتحدث العربية والتركية والإنكليزية والسويدية، بينما أنتّ لا تستطيعين التحدث إلّا بالسويدية والإنكليزية فكيف تمكنتِ من إقناع نفسكِ بأنّك أفضل مني لتعامليني بهذه الفوقية؟ فاضطرّت الفتاة للسكوت والتراجع. تقول روان: قس على ذلك من حالات فردية أخرى في العمل وفي الحياة.
عند مقارنة روان بين العنصرية ضد العرب في السويد وفي تركيا، قالت بأنّ العنصرية الحقيقية يمكن أن تلمسها في تركيا وعندها لن تقول بأنّ السويد فيها عنصرية. وأكدت روان: "العنصرية الحقيقية في السويد هي بين العرب، فالمواقف الكثيرة التي تعرضت لها كانت بسبب عنصرية العرب بينهم وبين بعض، ولم يكن السويديون موجودون فيها. كما تضيف روان: "شعور العرب بأنّهم أدنى من السويديين هو ما يجعلهم يخافون التعامل معهم ويحسون بعدم الراحة".
رفضت روان البقاء على حالها واستمرّت بالعمل لتحقيق حلمها فوصلت إليه
احلموا واجتهدوا...
لا يمكن لعاقل يسمع ويتابع قصّة روان ألّا يرى فيها قصّة ملهمة لشخص عمل بجدّ لتحقيق طموحه. لهذا سألنا روان: ما هو "سرّ" قدرتك على تحمّل الضغط وعدم الاستسلام خلال الأعوام التي مرّت؟
كانت إجابة روان: "علينا أن نفكّر في نفسنا بعد خمسة أعوام ثمّ نسأل: هل أنا راضٍ عمّا سأكونه، وعندها يبدأ العمل تجاه الهدف وتحقيقه". تضيف روان بأنّها أرادت دوماً أكثر من مجرّد راتب يكفيها، وأرادت دوماً حياة أكثر نشاطاً، ولهذا لم ترضَ أن يكون سقف عملها في ماكدونالد، أو أن تمضي بقيّة حياتها في كارلسهام. الأمر الآخر الذي قالته روان: "لا تستمعوا للتعليقات السلبية من محيطكم، وآمنوا بما تفعلونه وحاولوا بذلك أقصى ما لديكم".
تنهي روان حديثها: "أنا في أفضل مراحل حياتي اليوم، وأنا ممتنة لذلك للسويد وأحمد الله ألف مرّة لوجودي في هذا المكان الذي فتح لي الفرص على أقصاها. وأتمنى أن أردّ الدين لهذا المجتمع الجميل الذي أعطاني الكثير".