فجر يعقوب: دفاتر غوتنبرغ تحمل بعداً كونياً في الثقافة الإنسانية
فجر يعقوب روائي ومخرج سينمائي فلسطيني يقيم في السويد. درس الإخراج السينمائي في المعهد العالي للسينما في صوفيا – بلغاريا 1989 – 1994. عمل في الصحافة الفلسطينية والعربية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وأصدر ما يربو عن عشرين كتاباً في الشعر والرواية والترجمة والنقد السينمائي. حصل على جوائز عن بعض أفلامه الوثائقية والروائية القصيرة، وشارك كعضو لجنة تحكيم في مهرجانات عربية عدة مثل مالمو، الرباط، وهران، القاهرة للإعلام العربي، مسقط، مسابقة أفلام من الامارات في أبو ظبي. وشارك في تغطيات صحفية لمهرجانات عديدة مثل نانت، تطوان ودبي. شارك بأفلامه في مهرجانات مثل فيزول للأفلام الآسيوية، برلين للفيلم العربي، مالمو للسينما العربية، روتردام للفيلم العربي، طنجة للفيلم المتوسطي، بغداد وسواها. شارك كعضو لجنة تحكيم في منتدى دبي للإعلام العربي عن فئة الصحافة الثقافية وكتب في جريدة الحياة اللندنية في شؤون السينما والتلفزيون عقداً ونصف تقريباً، ويدير الآن منصة (دفاتر غوتنبرغ) الثقافية.

حين آثرنا لقاءه كانت المنصة الثقافية التي يديرها منذ بضعة شهور قليلة قد بدأت تعطي مفهوماً مختلفاً للشأن الثقافي العربي هنا في السويد، بعد أن تكاثرت المواقع السويدية الناطقة بالعربية، دون أن تتوفر موقع تجعل من الثقافة همها الأول مثل دفاتر غوتنبرغ، فهو موقع متخصص شكل إضافة نوعية للحياة الثقافية العربية في السويد. وفي الحوار الذي أجريناه معه إضاءة على هذا الموقع وحديث عن تجربته السينمائية والأدبية، لن نقدم تلخيص لهذا الحوار الشيق بل ندعوكم لاكتشاف مكنونه ودلالاته بأنفسكم. إلى الحوار مع ضيفنا فجر يعقوب:
* هل لك أن تحدثنا عن مسيرتك السينمائية:البدايات، الأفلام، الجوائز؟
**ليس الأمر سراً. في بلادنا عادة تكون الجوائز قليلة بعدد الأفلام التي تقوم بإخراجها، وهي تدور في إطار دفع الهواية إلى مكامن اللذة والأنا المتبطلة في أحيان كثيرة، وقد لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة، وفي أحسن الأحوال، كلتا اليدين. لكن ليس الأمر هنا أيضاً، فإن أردت أن تتكلل بالجوائز، فالطريق مفتوحة، وما عليك سوى أن تبصر على جانبيك وفي المقدمة، وتترك "رعونة" الوجهة التي تختارها بعيداً عن "المنتج الذكي" و"الناقد الذكي" و"مدير المهرجان الذكي".
بالرغم من سهولة الحديث عن بداياتي، وإمكانية تلخيصها بأسرع مما يتصور ناشط فيسبوكي، إلا أنها تحوي منعرجات يمكن تحميلها بنفس الطريقة التي تحمّل فيها فيلماً من "يوتيوب" على سبيل المثال دون الخوف من تبعات أي حقوق. لاحقوق هنا في البدايات أوالجوائز.
قال ناقد فني عني ذات مرة أنني لن أمتلك هوية سينمائية أبداً إن لم أطلق فيلمي الروائي الطويل الأول. أعتقد أن هذه مراوغة نقدية

لاطائل منها بالرغم من أنها قد تكون صحيحة، لأنني قد أقضي ما بقي من عمري وأنا أصنع أفلاماً وثائقية أو أفلاماً روائية قصيرة تختصر هواي دون أن أخضع لمسطرة التأليف الجديدة التي يختارها المخرج الذي لا يمتلك انتماءً، ويمكنه أن يتقدم بطلبيات من أي نوع: اليوم يمكن أن يخرج فيلماً عن حرب ال 33 يوماً، وبعد غدٍ قد يرى في الجولاني "إلهاً" يقود سيارة دفع رباعي مفولذة بغية تحرير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والفجر كذبة كالحة الخ.
لا تشغل بالك كثيراً بالجوائز والبدايات. بعضها قليل، وبعضها الآخر غير مهم.
*كيف ولدت فكرة (دفاتر غوتنبرغ)، وهل هي للوهلة الأولى موقع ثقافي سينمائي متخصص في هذا البلد الاسكندنافي المميز بخصوصيته وثقافته؟
**(دفاتر غوتنبرغ) تحرص من اسمها أن تحمل بعداً كونياً في الثقافة الإنسانية. ليست مطابقة الاسم الانكليزي لمدينة يوتيبوري (غوتنبرغ) السويدية هنا هي الدافع الرئيسي بإطلاق التسمية على هذه المنصة الالكترونية التي تعنى بشؤون الثقافتين العربية والسويدية. لاتنسَ أن (مجرة غوتنبرغ) هي المجرَّة التي لعب

فيها تيهاً أبو الطباعة الحديثة يوهان غوتنبرغ (1398 – 1468)، وهي ذلك الكتاب النافذ البصيرة لعبقري العصر الالكتروني، ونبيّه ان شئت، العالم الكندي مارشال ماكلوهان، الذي مايزال يسدد خطاي ويصوبها في كثير من القراءات التي حملت أبعاداً نبوئية في أمكنة كثيرة منها بالرغم من صدوره قبل عام واحد من ولادتي (سنة 1962 من منشورات جامعة تورنتو في كندة). أعتقد أن العصر الرقمي الالكتروني الذي "يتانتش" بعدوانية هذه المجرَّة لايرقى إلى الأبعاد الثورية التي حملتها حين أعطت للوجود الانساني أبعاداً غاية في الرهافة والدقة ورسمت أبعاداً جديدة للتاريخ. أتطلع في دفاتر غوتنبرغ أن تمتلك شيئاً من هذه الدفيئة الفكرية الإنسانية إن أمكن لها أن تتجاوز معوقات كثيرة قد ترتطم بها، ويصبح تقليب الصفحات مع الوقت شأناً سيادياً الكترونياً خاصاً لا قدرة لنا على البت فيه.
*هل بدأت (دفاتر غوتنبرغ) باعتقادك تعمّق علاقتك بالأدب والسينما السويدية مع أن هذه العلاقة قديمة كما أعرف، وهل تستعيد قراءة بعض الأفلام مجدداً بعد تمكنك من اللغة السويدية؟
**علاقتي بالسينما السويدية علاقة قديمة ترقى إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي أو قبل ذلك بقليل. يمكنك أن تقول إنني انتقلت روحياً وفكرياً إلى السويد منذ ذلك الوقت، لابل أنني أزعم أنني تعمّقت بأفلام انغمار برغمان إلى حد أنه تحول في أعماقي إلى مهرجان سينمائي شخصي، ووجدت في مئويته العام الماضي ملاذاً آمناً لي من منغصات كثيرة سببها عقم سياسة الاندماج السويدية التي تدفع بك في أحايين كثيرة إلى تبني مزاج رمادي وعصبي، وعقم المؤسسات الثقافية العربية التي تدَّعي في المقلب الآخر أنها قادرة على مشايعة كل فعل جماعي وهي عن غير قصد أو عن قصد تزيد من شحن التشنج الثقافي المتراكم في العروق ولايقبل بالحوار وقد مهد سلفاً لقطيعة ثقافية كبرى قد تشكل مع مرور الوقت عقبة في تحديث نواة هذا الاندماج المأمول. لا أقول بالطبع أننا مهيئون نحن أيضاً للاندماج في سلة واحدة. هذا أمر معقد للغاية ولاسبيل للحديث عنه هنا بالتفصيل.

أشاهد الأفلام السويدية وقد زادت عندي حاسة جديدة انطلاقاً من تعلم اللغة السويدية، والاستماع إلى أجراسها في أفواه ممثلين مثل بيبي أندرسون أو ليف أولمانوأنغريد تولين وغيرهم، وقد تدهش إن عرفت أنه بالرغم من صعوبة تعلمي إياها إلا أنني عشتها بشغف يوماً حين سمعت الممثل السويدي الكبير ماكس فون سيدوف ينطقها بطريقته في فيلم (بيلي المنتصر) للمخرج الدنمركي بيلي أوغست قبل أن أجيء إلى السويد بأعوام كثيرة. أحياناً لا يعني مرور أكثر من ربع قرن على وجودك في بلد ما أن قصب السبق سيكون بحوزتك دائماً. لا ليس الأمر كذلك، فقد تسبق كائناً ما بروحك إلى هذا البلد قبل قدومك إليه بوقت طويل. بالطبع كل هذا قد يكون صحيحاً إلى حين تصطدم بموظف في وكالة الهجرة أو البلديات ويُذهب كل هذه الأجراس من رأسك دفعة واحدة بتسطيرة قلم غبي.










